سيد محمد طنطاوي

342

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

على نسائهم ، وأبى المشركون أن يقروا بحكم اللَّه فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين ، فقال اللَّه - تعالى - للمؤمنين به ، * ( وإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) * الآية « 1 » . وقوله * ( فاتَكُمْ ) * من الفوت بمعنى الفراق والترك والهرب . . . يقال : فاتنى هذا الشيء ، إذا لم أتمكن من الحصول عليه ، وعدى بحرف إلى لتضمنه معنى الفرار . ولفظ « شيء » هنا المراد به بعض ، وقوله : * ( مِنْ أَزْواجِكُمْ ) * بيان للفظ شيء . وقوله : * ( فَعاقَبْتُمْ ) * يرى بعضهم أنه من العقوبة . وعليه يكون المعنى : وإن تفلتت وفرت امرأة من أزواجكم - أيها المؤمنون - إلى الكفار ، وامتنعوا عن دفع مهرها لكم . * ( فَعاقَبْتُمْ ) * أي : فغزوتم أنتم بعد ذلك هؤلاء الكافرين وانتصرتم عليهم وظفرتم بمغانم منهم . * ( فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ ) * منكم إلى الكفار من هذه المغانم * ( مِثْلَ ما أَنْفَقُوا ) * أي : مثل المهور التي أنفقوها على زوجاتهم اللائي فررن إلى المشركين . ويرى بعضهم أن قوله * ( فَعاقَبْتُمْ ) * صيغة تفاعل من العقبة - بضم العين وسكون القاف وهي النوبة ، بمعنى أن يصير الإنسان في حالة تشبه حالة غيره . قال الآلوسي : قوله : * ( فَعاقَبْتُمْ ) * من العقبة لا من العقاب ، وهي في الأصل النوبة في ركوب أحد الرفيقين على دابة لهما والآخر بعده : أي : فجاءت عقبتكم أي نوبتكم من أداء المهر . شبه الحكم بالأداء المذكور ، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب . وحاصل المعنى : إن لحق أحد من أزواجكم بالكفار ، أو فاتكم شيء من مهورهن . * ( فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا ) * من مهر المهاجرة التي تزوجتموها ، ولا تعطوا شيئا لزوجها الكافر ، ليكون قصاصا « 2 » . وعبر عن هؤلاء الزوجات اللائي تركن أزواجهن المؤمنين ، وفررن إلى المشركين ، بلفظ « شيء » لتحقير هؤلاء الزوجات ، وتهوين أمرهن على المسلمين ، وبيان أنهن بمنزلة الشيء الضائع المفقود الذي لا قيمة له . قال صاحب الكشاف : وجميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 121 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 38 ص 79 .